فخر الدين الرازي

32

المطالب العالية من العلم الإلهي

الحجة الرابعة : إنه إذا حصل ترجيح الوجود ، ثم فرضنا أن بقاء هذا الترجيح حصل العدم فحينئذ يكون ذلك العدم حاصلا ، لا بترجيحه ولا بإبقائه ، فإن كان ذلك الترجيح لمرجح آخر ، فيكون هذا اعترافا بأن ترجيح العبد لا أثر له في اقتضاء الرجحان ، وإنما المؤثر في الرجحان ترجيح غيره . فإن قلنا : بأن ذلك الترجيح وقع لا لمرجح أصلا ، كان هذا قولا بأن ذلك العدم إنما ترجح لمحض الاتفاق من غير مرجح أصلا . إلا أن القول بالاتفاق يوجب القول بالجبر على ما بيناه غير مرة - ويوجب نفي الصانع ، ونفي جميع الآثار والمؤثرات . لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : إن العبد إذا رجح جانب الوجود فهذا الترجيح إن بقي بحيث لا يعارض ترجيح مرجح آخر ، وقع الفعل . وإن عارضه ترجيح مرجح آخر ، فحينئذ خرج عن مضاد « 1 » العقل ؟ لأنا نقول : إذا بقي ذلك الترجيح ، خاليا عن العوارض . فإن وجب ترتب الأثر عليه ، فذاك هو المقصود . وإن لم يجب ترتب الأثر عليه ، فحينئذ أمكن أن يبقى ذلك القدر من الترجيح ، مع أنه لا يقع الوجود بل يقع العدم . فحينئذ يلزم أن يكون ترتب الوجود عليه تارة ، وترتب العدم عليه أخرى ، لمحض الاتفاق . وذلك يوجب نفي التأثير والمؤثر . ويوجب القول أيضا بالجبر . الحجة الخامسة : الترك ترك . وهذا يفيد أن العلم الضروري حاصل ، بأن القادر إذا شاء الفعل ، ولم يكن هناك مانع ، فإنه لا بدّ وأن يفعل . وإذا شاء الترك ولم يكن هناك مانع ، فإنه لا بد وأن يترك . ولا نرى في الدنيا عاقلا يقول : إني إن شئت أن أفعل لم أفعل . وإن شئت أن لا أفعل فعلت . فثبت : أن هذا دليل قاطع على أن جميع العقلاء يعلمون بالضرورة : أن القادر متى أراد الفعل ، ولا مانع له عنه ، فإنه يفعله لا محالة . وإذا أراد الترك ، ولا مانع له عن الترك ، فإنه يترك . وثبت : أن القول بحصول الفعل عند إرادة الترك ،

--> ( 1 ) من امضاءات ( م ) .